This is a platform for User Generated Content. G/O Media assumes no liability for content posted by Kinja users to this platform.

مثقفون سعوديون لا يجرؤون على كتابة مذكراتهم !!

Illustration for article titled مثقفون سعوديون لا يجرؤون على كتابة مذكراتهم !!


كتابة المذكرات فن أدبي رفيع، لكنه غائب عن المشهد الأدبي السعودي، إلى درجة يحق لنا أن نسأل: لماذا نقرأ مذكرات بول أوستر وإليف شفاق وليس تركي الحمد وابن بخيت أو حتى عبدالله الغذامي! هل صحيح أن المسألة تتعلق بالخوف من نظرة المجتمع، لما قد يتضمنه فن كتابة المذكرات، من جرأة وبوح واعتراف لا يجرؤ الكاتب المحلي على قوله، خصوصا إذا تذكرنا أن كثيرا من كتابنا صاروا نجوم (تويتر) مايعني أن أي اعتراف أو جرأة قد تخسرهم جيوش الأتباع والذين ليسوا بالضرورة من قراء الكتب المحترفين. كتابة المذكرات إذن منطقة أدبية تكاد تكون مهملة من قبل الأدباء، لأسباب نناقشها في هذه المساحة الأدبية:

يرى أستاذ النقد الأدبي الحديث في جامعة الملك عبدالعزيز الدكتور عبد الرحمن الوهابي أن مسيرة الأدب وأجناسه عامة تخضع لقوانين فلسفية لها مفاهيمها العلمية في النظرية المعاصرة للأدب، حيث تطورت وأصبحت علمية في عرض فرضياتها ومنطقها، والأخذ في الاعتبار المرجعيات المعرفية لسياقات الفنون ثقافيا داخل المجتمع. مضيفا: أن أسلوب المذكرات في جانبه التعبيري الكتابي ليس غائبا، ولكن لوازم حضوره غير متوفرة في مجتمعنا، وقس على ذلك كل غائب له علاقة بالحراك الحضاري المتنوع. ويشير الدكتور الوهابي إلى أن هذا النوع من الكتابات يخضع لمعايير متعددة ولعل أهم معاييره الاقتصاد والسياسية، والمؤشرات النفعية هي أساس قياس هذه المعايير، هو فن في غالب أحواله، يهتم بالكتابة عن جوانب محددة في حياة الإنسان غالبا تكون لها علاقة بالجوانب المهنية، وهنا تأتي منظومة المحظورات بحسب الخلفية الثقافية وما تمليه القيم الأدبية أو الأخلاقية المهنية، وقد نبالغ نحن كثيرا في هذا الجانب، حيث من ثقافتنا تكوين المبالغة في مثل هذا وتجيير ما هو حق للمجتمع ليتلبس بخصوصيات وسرية.

Advertisement

أما الكاتبة الروائية السعودية زينب البحراني فترى أنه كي نصل إلى منجزات أدبية ناضجة بما فيه الكفاية لا بد وأن تحظى شخصية الأديب بفرصة للتحليق في مناخات من الحرية الثقافية والمجتمعية تسمح لمخزون تجاربه بالنمو، ومن ثم التعبير عن ذاتها بصدق وشفافية دون قيود، وأزمة المثقف السعودي – أديبًا كان أو مفكرًا- تكمن في صعوبة مواجهة النظرة المجتمعية الضيقة بالأحداث الشخصية الاستثنائية التي صاغت ماضيه الإنساني وحاضره الأدبي أو الفكري. وتضيف: “ نحن نعيش في مجتمع متحفز لمهاجمة أي تجربة شخصية مختلفة يتم الإعلان عنها بشفافية وصراحة، وإذا كان كثير من الأديبات والأدباء يخشون كتابة نص روائي جريء يرتدي من ألوان الخيال أكثر مما يرتدي من صلب الواقع لأن الأسرة والجيران والأصدقاء والمعارف وكل من هب ودب سيرجمه بألف تهمة واقعه بريء منها؛ فكيف يمكن أن يُغامر بنشر جوانب من التفاصيل التي نسجت أيامه أمام خناجر الجهل المتربصة بها؟

لا موانع

الدكتور الوهابي من جهته يرى أن ليس هناك موانع لحضور هذا الأسلوب في مجتمعنا، ولكن لهذا الفن الكتابي كما أسلفت عوامل داعمة له ولوازم مؤثرة فيه، فالسياق الثقافي الاجتماعي له تأثير كبير في عدم إبراز هذا المجال الكتابي، هناك محظورات حتى القانوني منها، فضلا عن اعتبارات طبيعة الجو العام ومرحلته، هناك مذكرات مخطوطة لدى البعض، قد تجد مسيرتها للنشر في يوم ما وكذلك بعض المؤلفات المتنوعة، والمتغيرات ليس لها ثبات، نحن نلاحظ أن السينما تملأ جغرافية الكرة الأرضية كمادة ترفيهية مهمة، ونحن نفتقدها مع قلة عوامل الترفيه، وهكذا المسرح الذي يعد من أهم روافد تنمية وترفيه المجتمع، وقس على ذلك، من غياب قنوات إيجابية مستترة مع كونها تساعد في التنمية حتى في كبح جماح التطرف الأحادي وثقافته. فالقضية هي في علل وأسباب الغياب لطبيعة الفن وطبيعة المجتمع ومدى التشجيع الرسمي وغيره، والأساليب الكتابية والفنون عامة تأخذ مراحلها ولها بيئات حاضنة وبيئات طاردة.

Advertisement

بعد الممات

الإعلامي والدكتور علي الرباعي فينبه إلى الفرق الواقع بين الذكريات وبين المذكرات، مشيرا إلى أن الذكريات يمكن أن يكتبها أي إنسان رجلا أم امرأة مسؤولا أو مواطنا عاديا “ أما كتابة المذكرات فهي كتابة فنية عميقة وبدأها عمالقة الفن والأدب والسياسة في المجتمعات الغربية. مضيفا: بلا شك أنه فن له علاقة وثيقة بدور المثقف والأديب في الحياة وأثره على الناس. وجذور هذا الفن يعود إلى الأدب السيري أو السيرة الذاتية وليس من السهل كتابة مذكرات إن لم تكن الشخصية فاعلة. شرط توفر مهارة عالية في التناول دون تطاول على أموات مثلا. أو اساءة للوطن أو لرموزه. يمكن أن يعبر الكاتب للمذكرات عن وجهة نظره بموضوعية. مؤكدا أن الحساسية من كتابة المذكرات تظل موجودة: “ كون بعض من ترد اسماؤهم يود كل منهم أن يكون دور البطولة ونظرا لارتفاع مؤشر النرجسية الثقافية أرى أنه من الصعب كتابة المذكرات كونها ستغضب طيفا أو طرفا ما ولذلك يؤجل البعض نشر مذكراته إلى بعد وفاته ويتركها البعض مخطوطة حتى لا يحرج أسرته أو قرابته.

Advertisement

نحن والغرب

وعن الفرق بين كتابة المذكرات بين الغرب، وبيننا، يشير الوهابي مجيبا: هناك فروق معرفية عميقة بيننا والغرب في مجالات العلوم الإنسانية عامة وغيرها، فروق في التناول ومن ثم في التعاطي فالغرب يتحرك من منظور حرية وشفافية الطرح العلمي المنهجي والأخذ بنتائجه، لتتم عملية البناء العمودية والأفقية في مستوى واحد، والغرب في كل حركاته يهتم ويركز على الجانب الاقتصادي وجودة المنتج، وهذا مفهوم ثقافة مرجعية عامة. وصناعة كتابة المذكرات ليست خارج هذا السياق العام، هي مجال أو مجالات محددة في حياة شخصيات لها قيمتها ووزنها بمعنى أن إصدار مذكرات قد يجلب مبيعات عشرات أو مئات الألوف من النسخ، هذه الشخصيات قد لا يكون لها أي علاقة بالتأليف والكتابة، بل قد تكون من رواد الرياضة الذين لهم دور أكثر من عشرات الكتب الأدبية وفائدتها للمجتمع. مضيفا: ثقافة النشر في مجتمعنا يختلف تماما عن مفهومه في الغرب، فغير مقبول في الغرب أن تجد من يكتب ويؤلف ويتعب ومن ثم يطبع وينشر على نفقته الخاصة، ونحن هنا نختلف تماما في مجال النشر وتشجيعه والتكفل به من القطاع الخاص، بل لدينا من يظلل في حرفة النشر حتى من جهات حكومية رسمية معنية بالطباعة والنشر ومجالات الثقافة، في الغرب لا يتم النشر والطباعة والتسويق لشخصية لمجرد أنها تملك الأموال في ذلك، أو لأن له علاقة صداقة مع صاحب دار النشر أو جهات ثقافية تلعب بالمال العام، هذا الموضوع ليس له حضور حقيقي هناك، ولو تم قد يواجه قانونيا واعتباريا من الجهات أو الشخصيات المحترمة، بل وتفقد الجهات مصداقيتها وتتعرض للنقد في سوق الفكر والتسويق. سير المذكرات جانب مستفيض في الغرب، وتتولى دور النشر ما يتعلق به من نشر وتسويق، بل وحتى السعي لشراء مذكرات شخصيات بعينها وحثها على الكتابة أو الكتابة عنها كسيرة حياة للغير مقابل مبالغ مالية كبيرة، حقيقية هناك اختلاف كبير.

Advertisement

الاعتراف بصدق

وترى زينب البحراني “أن الأديب والمفكر “إنسان” قبل أن يكون “مبدعًا”، وانسانيته تتطلب أن يمر بتجارب تجمع بين الصواب والخطأ، الأفراح والأتراح، وما لم يجد فرصة للاعتراف بصدق يشبه صدق الشاعر “نزار قباني” في سيرته، وبثقة تشبه ثقة صاحب الفكر المتألق الإعلامي “حمدي قنديل” في مذكراته المنشورة؛ لا جدوى من نشر مذكرات ميتة، مفتعلة، تخلو من عنفوان روح الكاتب وتصالحه مع ذاته على الورق، لأن مذكرات من هذا النوع لن تكون إلا صورة من صور إضجار القارئ هذا إن وجدت قارئا يقبل بتبذير وقته على مؤلف لن يضيف لتوقعاته جديدًا، ومن الصعب جدًا على ضمير أي أديب أن يصير “قزمًا على كلماته يحتال” لتقديم نسخة مشوهة عن شخصيته وحياته للآخرين، خصوصًا وأن هدفه من نشر مذكراته أو اجزاء من سيرته الذاتية يختلف عن هدف “رجل الأعمال” الذي يصبو ل”تسويق اسمه” أكثر بين شرائح نخبوية جديدة، وتوزيع نسخ من الإصدار الذي حرره شخص آخر على بعض الشخصيات الإعلامية خلال حفل توقيع مهيب كي يحقق إشباعا نفسيًا إضافيا تحرر منه المبدع الحقيقي بإصدارات أخرى.

Advertisement

Share This Story

Get our newsletter